الشنقيطي
337
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أنه إن شاء أذهب الناس الموجودين وقت نزولها وأتى بغيرهم بدلا منهم ، وأقام الدليل على ذلك في موضع آخر ، وذلك الدليل هو أنه أذهب من كان قبلهم وجاء بهم بدلا منهم وهو قوله تعالى : إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ ما يَشاءُ كَما أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ [ الأنعام : 133 ] . وذكر في موضع آخر : أنهم إن تولوا أبدل غيرهم وأن أولئك المبدلين لا يكونون مثل المبدل منهم بل يكونون خيرا منهم ، وهو قوله تعالى : وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ ( 38 ) [ محمد : 38 ] . وذكر في موضع آخر : أن ذلك هين عليه غير صعب وهو قوله تعالى : إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ( 19 ) وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ ( 20 ) [ إبراهيم : 19 - 20 ] أي : ليس بممتنع ولا صعب . قوله تعالى : أَ يَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً [ 139 ] . ذكر في هذه الآية الكريمة أن جميع العزة له جل وعلا . وبين في موضع آخر : أن العزة التي هي له وحده أعز بها رسوله ، والمؤمنين ، وهو قوله تعالى : وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ [ المنافقون : 8 ] أي وذلك بإعزاز اللّه لهم والعزة الغلبة ، ومنه قوله تعالى : وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ ( 23 ) [ ص : 23 ] . أي : غلبني في الخصام ، ومن كلام العرب من عزيز يعنون من غلب استلب ومنه قول الخنساء : كأن لم يكونوا حمى يختشى * إذ الناس إذ ذاك من عزيزا قوله تعالى : وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ [ 140 ] . هذا المنزل الذي أحال عليه هنا هو المذكور في سورة الأنعام في قوله تعالى : وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ [ الأنعام : 68 ] وقوله هنا : فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ لم يبين فيه حكم ما إذا نسوا النهي حتى قعدوا معهم ، ولكنه بينه في الأنعام بقوله : وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ( 68 ) [ الأنعام : 68 ] . قوله تعالى : وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا [ 141 ] . في معنى هذه الآية أوجه للعلماء . منها : أن المعنى : ولن يجعل اللّه للكافرين على المؤمنين يوم القيامة سبيلا ، وهذا مروي عن علي بن أبي طالب ، وابن عباس - رضي اللّه عنهم - ويشهد له قوله في أول الآية : فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ